الشيخ محمد رشيد رضا
658
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الصلاة وقراءة القرآن فيه فبنى لنفسه مسجدا كان يصلي فيه ويجهر بالقرآن فصدوه عن الصلاة فيه أيضا لأن النساء والأولاد كانوا يجتمعون لسماع قراءته المؤثرة فخافوا عليهم أن يهتدوا إلى الاسلام . وقد تقدم خبره في ذلك وإجارة ابن الدغنة له ثم اضطراره إلى رد جواره وهو من حديث الهجرة في البخاري ( راجع ص 555 ) وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ أي مستحقين الولاية عليه لشركهم ومفاسده فيه كطوافهم فيه عراة الأجسام رجالا ونساء ، ولما أجاب اللّه دعاء أبيهم إبراهيم بأن يجعل للناس أئمة من ذريته كما جعله إماما لهم أجابه اللّه تعالى بأن عهده بالإمامة لا ينال الظالمين ، وأي ظلم أعظم شناعة وفسادا من الشرك ؟ ( إن الشرك لظلم عظيم ) وكانوا يقولون : نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء « 1 » فقال تعالى إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ للشرك وسائر الفساد والظلم وهم المسلمون الصادقون وقد وجدوا . وهذا غاية التأكيد فإنه بعد أن نفى ولاية المشركين عن بيت اللّه تعالى نفى كل ولاية على الاطلاق واستثنى منها ولاية المتقين من المسلمين وهم عدولهم وخيارهم لا من لا فضل لهم في أنفسهم ، وانما يدعون حق الولاية بأنسابهم . وقيل إن الضمير في الموضعين للّه تعالى أي ولم لا يعذب اللّه هؤلاء المشركين بعد انتفاء سببي منع العذاب والحال انهم ليسوا أولياءه وأنصار دينه الذين لا يعذبهم ؟ وكان سائلا يسأل : من أولياؤه تعالى إذا ؟ فأجيب بصيغة الحصر بالاثبات بعد النفي : ما أولياؤه إلا المتقون . أي الذين صارت التقوى العامة صفة راسخة فيهم ، وتقدم ما يدل عليه هذا الاطلاق فيها من التفصيل في تفسير آية ( إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً ) وما هي ببعيد . والقول الأول أقرب في هذا
--> ( 1 ) من العبر ان بعض شرفاء مكة الذين كانوا يتولون الحكم فيها إلى عهد قريب قال هذا القول الشركي الجاهلي بعينه في الإسكندرية معبرا عن عقيدة أهل بيته بمناسبة ذكر ما كان من منعهم لأهل نجد من أداء فريضة الحج ، ونقل قوله مراسل بعض جرائد القاهرة من الإسكندرية في حديث له معه ، فكان انتزاع اللّه منهم الولاية على البيت بأيدي من كانوا يصدونهم عنه وهم أهل نجد كما سبق للنبي ( ص ) والمؤمنين مع طغاة قريش الأولين . وقد آن للمتعالين بالأنساب أن يفقهوا ان غرورهم بها مخالف للقرآن والوجدان والجنان وطبع هذا الزمان